سيد محمد طنطاوي

222

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

منها : أن المراد لو جعلت السماوات والأرضون طبقا طبقا . . . لكان ذلك مثل عرض الجنة ، وهذا غاية في السعة لا يعلمها إلا اللَّه - تعالى - . ومنها : أن المقصود المبالغة في الوصف بالسعة للجنة ، وذلك لأنه لا شيء عندنا أعرض منهما « 1 » . وخص - سبحانه - العرض بالذكر ، ليكون أبلغ في الدلالة على عظمها ، واتساع طولها ، لأنه إذا كان عرضها كهذا ، فإن العقل يذهب كل مذهب في تصور طولها ، فقد جرت العادة أن يكون الطول أكبر من العرض . قال الإمام ابن كثير : وقد روينا في مسند الإمام أحمد أن هرقل - ملك الروم - كتب إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال : إنك دعوتني إلى جنة عرضها السماوات والأرض ، فأين النار ؟ فقال صلى اللَّه عليه وسلم : « سبحان اللَّه ، فأين الليل إذا جاء النهار » « 2 » . واسم الإشارة في قوله - تعالى - : * ( ذلِكَ فَضْلُ اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشاءُ واللَّه ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) * يعود إلى الذي وعد اللَّه - تعالى - به عباده المؤمنين من المغفرة والجنة . أي : ذلك العطاء الجزيل فضل اللَّه - تعالى - وحده وهو صاحب الفضل العظيم لا يعلم مقداره إلا هو - عز وجل - . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - بعد أن بين حال الحياة الدنيا . دعا المؤمنين إلى المسابقة إلى العمل الصالح ، الذي يوصلهم إلى ما هو أكرم وأبقى . . . وهو الجنة . وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والْبَنِينَ والْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ والْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ والأَنْعامِ والْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا واللَّه عِنْدَه حُسْنُ الْمَآبِ . قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ . . . « 3 » . ثم بين - سبحانه - أن كل شيء في هذه الحياة ، خاضع لقضاء اللَّه - تعالى - وقدره ، وأن على المؤمن الصادق أن يكون شاكرا عند الرخاء ، صابرا عند البلاء . . . فقال - تعالى - :

--> ( 1 ) راجع تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 4 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 404 . ( 3 ) سورة آل عمران الآيات 14 - 17 .